ملا محمد مهدي النراقي
94
جامع السعادات
النسوان الجميلة والخنفساء ، كيف والتفاوت في الثاني متناه وفي الأول غير متناه ، وأي نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي ؟ فصل نية المؤمن خير من العمل لما عرفت أن النية روح العمل وحقيقته ، وتوقف نفع العمل عليها دون العكس ، وكون الغرض الأصلي من العمل تأثير القلب بالميل إلى الله تعالى وتوقفه على النية ، فهي خير من العمل ، بمعنى أن العمل إذا حلل إلى جزئية يكون جزؤه القلبي - أعني النية - خيرا من جزئه الجسماني - أعني ما يصدر من الجوارح - ، والثواب المترتب عليه أكثر من الثواب المترتب عليه ، ولذا قال الله - سبحانه : ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) ( 6 ) . فإن المقصود من إراقة دم القربان ميل القلب عن حب الدنيا ، وبذلها إيثارا لوجه الله ، دون مجرد الدم واللحم ، وميل القلب إنما يحصل عند جزم النية والهم ، وإن عاق عن العمل عائق ، ( فلن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) ، والتقوى صفة القلب ، ولذا ترى أن المجامع امرأته على قصد أنها غيرها آثم ، بخلاف المجامع غيرها على أنها امرأته ، ولذا ورد : أن من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة ، لأن هم القلب هو ميله إلى الخير وانصرافه عن الهوى ، وهو غاية الأعمال الحسنة ، وإنما الإتمام بالعمل يزيدها تأكيدا . وبما ذكر ظهر معنى الحديث المشهور : ( نية المؤمن خير من عمله ، ونية الكافر شر من عمله ) . وكل عامل يعمل على نيته . وحاصله : إن كل طاعة تتضمن نية وعملا ، وكل منهما من جملة الخيرات ، وله أثر في المقصود ، وتكون النية خيرا من العمل وأثرها أكثر من أثره . والغرض : أن للمؤمن اختيارا في النية وفي العمل ، فهما عملان ، والنية من الجملة خيرهما ، أي النية التي هي جزء من طاعته خير من عمله الذي هو جزؤها الآخر .
--> ( 6 ) الحج ، الآية : 37 .